أحمد بن علي القلقشندي
43
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
اعتزازا ، إلى أن أجمع رأينا العالي على من لا ينكر ذو قدم ولا قدم ولا قلم ، أنه السابق ، ولا يجحد ربّ علم ولا عمل ولا علم ، أنه الباسق ، ولا يشكّ أنّ من فوائده يستمدّ المطر ومن توقّد ذهنه يقدح زناد البارق ، ولا يرتاب البحر أن فرائده ما يطوّق العنق ويشنّف الأذن ويتوّج المفارق ، ولا يمارى في فضله الَّذي لو طلب له مثيل لم يصب ، ولو ادّعى الكوكب السّاري أنّه له شبيه لمسّه النّصب ، أو تلفّتت أعناق القنا إلى قلمه لأيقنت أنها كلّ على القضب ؛ وهو الَّذي أفنى عمره في تحصيل العلم اشتغالا ، وجدّ في الطَّلب لصالح العمل وإن تغالى ، وبقي فقيه قوم ما جدّ منهم مثله ماجد ، ولا جادت يد كريم منهم تمتدّ بما هو جائد ، ودرج أقرانه إلى اللَّه وخلَّي دونهم شرعا لا يردّ واردا ، وخلَّف بعدهم سهما في الكنانة واحدا . وكان المجلس العاليّ - أدام اللَّه تأييده - هو الَّذي تختال به المناقب ، وتختار فضائله العواقب ، وتشرق بقلمه الفتاوى إشراق النّهار ، وتغدق منافعه إعداق السّحب بالأمطار ، وتحدق به الطَّلبة إحداق الكمامة بالثّمر والهالات بالأقمار ، وهو شافي عيّ كلّ شافعيّ ، ودواء ألم كل المعيّ ، طالما جانب جنبه المضاجع سهادا ، وقطع الليل ثم استمدّه لمدد فتاويه مدادا ، وجمع بين المذهبين نظرا وتقليدا ، والمذهبين من القولين قديما وجديدا ، وسلك جميع الطرق إلى مذهب إمامه ، وملك حسانها فأسفر له كل وجه تغطَّى من أوراق الكتب بلثامه ، وانتفتحت [ بفهمه ] ( 1 ) للتصانيف أبواب شغلت « القفّال » أقفالها ، ونفحت له نفحات ما « للماورديّ » مثالها ، وسفحت ديم غزار يسقي « المزنيّ » سجالها ، ومنحت حللا يفخر « الغزالي » إذا نسج على منواله سربالها . فرسم بالأمر الشريف - لا زال يجدّد ملابس فضله ، ويقلَّد كلّ عمل لصالح أهله - أن يفوّض إليه قضاء قضاة الشافعية بدمشق المحروسة وأعمالها وجندها وضواحيها ، وسائر الممالك الشامية المضافة إليها والمنسوبة لها
--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .